فخر الدين الرازي

418

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

من شماله ، وعن زين العابدين أنه كان يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا ، فقيل له يصلون الصلاة لغير وقتها فقال خير من أن يتناهوا عنها ، وعن ابن مسعود رضي اللَّه عنه إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم ، ثم قال أبو بكر الرازي إنما يؤمر بذلك على وجه التعليم وليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفورا منه ، وكذلك يجنب شرب الخمر ولحم الخنزير وينهى عن سائر المحظورات لأنه لو لم يمنع منه في الصغر لصعب عليه الامتناع بعد الكبر ، وقال اللَّه تعالى : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [ التحريم : 6 ] قيل في التفسير أدبوهم وعلموهم . المسألة الرابعة : قال الأخفش : يقال في الحلم حلم الرجل بفتح اللام ، يحلم حلما بضم اللام ، ومن الحلم حلم بضم اللام ، يحلم حلما بكسر اللام . أما قوله تعالى : ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : ثَلاثَ مَرَّاتٍ يعني ثلاث أوقات ، لأنه تعالى فسرهن بالأوقات ، وإنما قيل ثلاث مرات للأوقات لأنه أراد مرة في كل وقت من هذه الأوقات ، لأنه يكفيهم أن يستأذنوا في كل واحد من هذه الأوقات مرة واحدة ، ثم بين الأوقات فقال : مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ، يعني الغالب في هذه الأوقات الثلاثة أن يكون الإنسان متجردا عن الثياب مكشوف العورة . المسألة الثانية : قوله : ثَلاثُ عَوْراتٍ قرأ أهل الكوفة : ثلاث بالنصب على البدل من قوله : ثَلاثَ مَرَّاتٍ وكأنه قال في أوقات ثلاث عورات لكم ، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه وقراءة الباقين بالرفع أي : هي ثلاث عورات فارتفع لأنه خبر مبتدأ محذوف ، قال القفال فكأن المعنى ثلاث انكشافات والمراد وقت الانكشاف . المسألة الثالثة : العورة الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان والأعور المختل العين ، فسمى اللَّه تعالى كل واحدة من تلك الأحوال عورة ، لأن الناس يختل حفظهم وتسترهم فيها . المسألة الرابعة : الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن لأنه تعالى نبه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين : أحدهما : بقوله تعالى : ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ والثاني : بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة وبين ما عداها بأنه ليس ذاك إلا لعلة التكشف في هذه الأوقات الثلاثة ، وأنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها وليس كذلك ما عدا هذه الأوقات . المسألة الخامسة : من الناس من قال إن قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها [ النور : 27 ] فهذا يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال ، وصار ذلك منسوخا بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة ، ومن الناس من قال الآية الأولى أريد بها المكلف لأنه خطاب لمن آمن ، وما ذكره اللَّه تعالى في هذه الآية فهو فيمن ليس بمكلف فقيل فيه إن في بعض الأحوال لا يدخل إلا بإذن ، وفي بعضها بغير إذن . فلا وجه لحمل ذلك على النسخ ، لأن ما تناولته الآية الأولى من المخاطبين لم تتناوله الآية الثانية أصلا ، فإن قيل بتقدير أن يكون قوله تعالى : الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يدخل فيه من قد بلغ